يُلحق جمهور الناخبين الأمريكي هزيمة مؤلمة ومهينة للرئيس باراك أوباما وللحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية التي جرت أمس (الثلاثاء) في الولايات المتحدة. لقد قدّموا نصرًا تاريخيا، جنبًا إلى جنب مع السيطرة على مجلسي الكونغرس، لصالح خصومهم الجمهوريين. استيقظت واشنطن صباح اليوم على واقع سياسي جديد، حيث من أحد جوانبه رئس ديمقراطي ضعيف وجناح ليبرالي حالم، ومن الجانب الآخر كونغرس جمهوري مترابط وجناح محافظ مخمور من النصر.
تجادل المعلّقون في التلفاز فيما بينهم في بداية الليلة إذا ما كان هناك مبرّر للحديث عن “موجة” جمهورية، ولكن كلما تمّ إغلاق مراكز الاقتراح في الولايات المختلفة اتّضح أنّها عبارة عن تسونامي، صدمت قوّته الجمهوريين أنفسهم أيضًا. رغم أن فرز الأصوات لم ينته بعد، وستتم في ولاية لويزيانا أيضًا جولة ثانية، فقد نجح الجمهوريون في مهمّتهم الرئيسية بما يفوق التوقّعات. لقد نقلوا لصالحهم ما بين ثمانية إلى عشرة مقاعد في مجلس الشيوخ، والتي كان الديمقراطيون يمسكون بها حتى الآن، ووجدوا أنفسهم مع غالبية عظمى من 53-54 من أعضاء مجلس الشيوخ من بين 100 عضو. وهي نتيجة لم يحلموا بها أيضا في أحلامهم الأكثر ورديّة.
لكن ذلك لم يكن كافيا، فمن المتوقع أن يزيد الجمهوريون من غالبيّتهم في مجلس النواب من 233 إلى نحو 245 ممثّل وأن يحققوا رقمًا قياسيا لم يتحقق مثله منذ 65 عامًا. ورغم إنجازاتهم في الكونغرس، فيبدو أنّ انتصاراتهم الأكثر إثارة للإعجاب تم تحقيقها تحديدا في التنافس على مناصب حكام الولايات المختلفة، فهناك كان يُتوقّع منهم الهزيمة. ومع ذلك، فاز الجمهوريون بسلسلة من المعارك على مناصب الحكام والتي كانت محطّ اهتمام الرأي العام، في ولايات مثل إلينوي، فلوريدا، ميريلاند، أوهايو وويسكونسن. حتى في ولاية كانساس، التي يعتبر فيها الحاكم الجمهوري أحد من قادوا الولاية إلى فشل اقتصادي غير مسبوق.
فإنّ نتيجة التصويت، والاستطلاعات التي رافقتها، تعكس كلا من غضب المصوّتين من أوباما وسياسته والمزاج المتشائم الذي يعيش فيه الرأي العام الأمريكي خلال معظم فترة ولايته. وستظهر النتائج بما لا شكّ فيه باعتبارها تعبيرًا عن عدم الثقة به وبإدارته. ومع ذلك، ومن المفارقات، أنّ محاولات المرشّحين الديمقراطيين أيضًا للابتعاد عن أوباما كما يبتعد المرء عن النار قد عملت في غير صالحهم. فقد أثار ذلك استياءً وشعورًا بالإهانة في أوساط النواة الصلبة لمؤيدي الحزب، وخصوصا أبناء الجالية الإفريقية الأمريكية، الذين فضّلوا البقاء في المنزل بدلا من تكلّف الذهاب لصناديق الاقتراع. وكانت النتيجة الحتمية هي التدفق إلى صناديق الاقتراح من قبل معارضي أوباما الغاضبين مقابل امتناع جماعي عن التصويت من قبل مؤيّديه، المهانين وغير المبالين على حدّ سواء.
وأيّة كانت الأحوال، فإنّ النتائج المأساوية تتحدّث عن نفسها: انحياز كبير للسياسة الأمريكية إلى الاتجاه المحافظ في الشؤون الداخلية والاتجاه الصقوري في السياسة الخارجية. وقد نجح الرئيس أوباما بالفعل في استدعاء القيادات الجديدة لمجلسي الكونغرس إلى لقاء في البيت الأبيض يوم الجمعة ليبرز للرأي العام استعداده لفتح صفحة جديدة في علاقاته الباردة مع الجمهوريين. ولكن التقديرات هي أنه في نهاية المطاف سيسود صوت الجمهوريين الذين يريدون التنافس مع الرئيس قبيل انتخابات 2016 على أولئك الذين يسعون إلى التعاون معه.
ومن المتوقع أن تندلع الصراعات الداخلية بعد تعافي الجمهوريين من مخلّفات احتفالات النصر. وذلك بين المؤسسة المعتدلة، التي ترى في الانتصار الذي تحقّق أمس باعتباره نتيجة مباشرة لسياستها الحكيمة والمدروسة، وبين رجال الأيديولوجيا وجماعة حفل الشاي، الذين يعتقدون أنّه تم تحقيق النصر تحديدا بفضل حماسهم وحشدهم لصالح الحزب. وتدرك قيادة الحزب حقيقة أن الجمهور العريض لديه تحفظات عميقة حولها أيضا، كما أثبتت الاستطلاعات، وهي تسعى الآن إلى إثبات قدراتها في الحكم والتصرّف بطريقة بنّاءة، حتى لو كان ذلك يعني تذويب الجليد العميق الذي ساد حتى الآن في علاقاتها مع البيت الأبيض بإدارة أوباما. ويرى جماعة حفل الشاي، والذين انتُخب الكثير منهم أمس للمرة الأولى، في الانتصار نتيجة مباشرة للسياسة التي اعتمدها الحزب في علاقاته مع الرئيس ومفتاحا لهزيمة الديمقراطيين أيضًا عام 2016.
بخلاف أمنيات القلب في القدس، فمن السابق لأوانه تعريف أوباما كبطّة عرجاء، سواء بسبب الصلاحيات الواسعة التي لا يزال يملكها وفقا للدستور الأمريكي، أو بسبب قدرته على استعادة وعيه في وقت لاحق وأن يستعيد لنفسه بعض التعاطف الشعبي الذي خسره. وبالتأكيد سيكون الكونغرس الجديد أكثر اهتماما بمواقف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ويمكنه أن يُستخدم كمكابح لسياسة الرئيس، ولكن سيتم الشعور بتأثيره بشكل أساسي عندما يتمّ التوصل إلى اتفاق بين الحكومة وإيران بخصوص القضية النووية. في حال قرّر أوباما إلقاء كلّ ثقله في صالح الاتفاق مع إيران، فمن الممكن أن تقف إسرائيل في مركز مواجهة دستورية وسياسية حامية بين السلطة التشريعية، الكونغرس، وبين السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، البيت الأبيض. ومع ذلك، ففي كلّ ما يتعلّق بالشأن الفلسطيني، لدى الكونغرس فقط قدرة تأثير محدودة على مسار الحكومة، وخصوصا في الحالة التي سيتورّط فيها بصراع دائم معها.
والذي يتعيّن عليه بشكل شبه مؤكد توجيه طريقه بين المعسكرين كزعيم للأغلبية في مجلس الشيوخ، هو عضو مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، والذي كان انتصاره الصريح في كنتاكي هو الأول في سلسلة طويلة من إنجازات الجمهوريين. ورغم ذلك، فإنّ زعيم الغالبية في مجلس النواب، جون بوينر، ربّما يُضطر للعمل بشكل قاس من أجل الحفاظ على كرسيّه. يرى بعض الناخبين الجدد فيه عنصرا معتدلا وحساسا زيادة عن اللزوم، وهم ينوون أن يضعوا أمامه مرشّحا من قبلهم لينافس أيضا المتعاونين من قيادة الحزب، بالإضافة إلى الأعداء الحقيقيين في البيت الأبيض وأروقة الحكومة.
ويتوجه الاهتمام الآن أيضا إلى رئيس وحيد ومنعزل في البيت الأبيض وإلى الدروس التي قد يستفيدها من هزيمته. وقد جهّز أمس بالفعل ذريعة وقال إنّ الخارطة السياسية في التنافس على الكونغرس كانت سيئة بشكل خاص هذا العام بالنسبة للديمقراطيين. ولكن مع ذلك فإنّ جزءًا كبيرا من ذنب الهزيمة يقع على كاهل أوباما، ليس بسبب طبيعة سياسته، وإنما نتيجة لفشله الذريع في تسويق نفسه للجمهور.
هناك شتيمة صينية كما يقال، وأصلها أساسا من لندن منذ القرن العشرين، تتمنّى لمتلقّيها: “أن يعيشوا بأزمنة مثيرة للاهتمام”. بعد ثورة أمس، شيء واحد مؤكّد: ستكون السياسة في أمريكا الآن أكثر إثارة للاهتمام، ولكن قد يكون ذلك بالمعنى السيّء للكلمة.
نُشرت هذه المقالة أساسًا في موقع هآرتس.